|
|
كارل ماركس
نصوص حول أشكال الإنتاج ما قبل الرأسمالية
ترجمة لجنة بإشراف الدكتور صادق جلال العظم و مراجعته
دار ابن خلدون
وضعها على الانترنيت: التوجه القاعدي
فهرس
أشكال الإنتاج ما قبل الرأسمالية
نصوص إضافية لماركس و انجلز حول مشكلات تقسيم المراحل التاريخية: مقتطفات من «الأيديولوجية الألمانية»
مقتطفات من رسائل ماركس و انجلز
مقدمة كتاب ماركس «نقد الاقتصاد السياسي»
أشكال الإنتاج ما قبل الرأسمالية[1]
-1-
* يشكل العمل الحر و مبادلته بالمال أحد متطلبات العمل المأجور، و أحد الشروط التاريخية للرأسمال، و ذلك لإعادة إنتاج المال و تحويله إلى قيم كميا يستهلكها المال، لا كقيم استعمالية للاستمتاع بها، بل كقيم استعمالية للمال نفسه.أما المتطلب الآخر فهو فصل العمل الحر عن شروط تحقيقه الموضوعية، أي عن وسائل العمل و موارده. وهذا يعني، قبل كل شيء، ضرورة فصل العامل عن الأرض، التي تشكل مختبره الطبيعي. كما يعني أيضا انحلال كل من الملكية الصغيرة الحرة للأرض وملكيتها المشاعية المرتكزة على المشاعة الشرقية.
ضمن إطار هذين الشكلين تكون العلاقة بين العامل و الشروط الموضوعية لعمله علاقة ملكية: هذه هي الوحدة الطبيعية بين العمل و متطلباته المادية المسبقة. وعلى ذلك يتمتع العامل بوجود موضوعي مستقل عن عمله، ويرتبط الفرد بنفسه بصفته كمالك، أي كسيد لشروط واقعه. و تقوم العلاقة ذاتها بينه و بين باقي الأفراد. و حيث يكون هذا المتطلب مستمدا من الجماعة يكون الآخرون شركاء له في الملكية، فيكونون بذلك تجسيدات متعددة للملكية المشتركة. أما حيث يكون مستمدا من الأسر الفردية التي تشكل مع بعضها المشاعة فيكونون(أي بقية الأفراد) مالكين مستقلين يتعايشون مع هذا الفرد، أنهم مالكون خاصون مستقلون. وتستمر عندئذ الملكية المشاعية، التي كانت في السابق تستوعب كل شيء و تشمل الجميع، على شكل ارض مشاع منفصلة عن المالكين الخاصين المتعددين.
لا يتصرف الأفراد في كلا الحالتين[2] كعمال بل كمالكين و كأعضاء في جماعة يعمل أفرادها أيضا. و لا يهدف عملهم هذا إلى خلق أية قيمة على الرغم من أنهم قد ينجزون عملا فائضا لمبادلته بعمل أجنبي، أي بمنتوجات فائضة. إن هدف العمل هو صيانة المالك و عائلته بالإضافة إلى صيانة الهيئة المشاعية ككل. إن خلق الإنسان العامل المجرد من كل الصفات ما عدا هذه الصفة هو في حد ذاته من نتاج التاريخ.
* يظهر أول متطلب للشكل الأول من ملكية الأرض في مظهر الجماعة البشرية كما تنبثق عن التطور الطبيعي: العائلة الموسعة إلى القبيلة، أو القبيلة الناتجة إما عن التزاوج المتبادل بين العائلات أو عن تجمع القبائل. و يمكننا التسليم بان الطور الرعوي أو حياة الترحال عموما هي الشكل الأول من المحافظة على الوجود حيث لا تستقر القبيلة في مكان تابث، بل تستهلك ما تجده محليا تم ترحل. فالطبيعة ليست العامل الذي يدفع البشر إلى الاستقرار: (اللهم إلا في حال وجودهم في بيئة خصبة تمكنهم من الاستمرار استنادا إلى شجرة واحدة كالقرود، و إلا فإنهم سيتجولون كالحيوانات المتوحشة) لذلك لا تظهر الجماعة القبلية – وهي الهيئة المشاعية الطبيعية- كنتيجة للحيازة المشتركة(و المؤقتة) للأرض و استخدامها، بل كشرط مسبق لهذه الحيازة.
بعد أن يستقرر الإنسان نهائيا تعتمد حدود التعديلات التي تطرأ على هذه الجماعة الأصلية على شروط خارجية و مناخية و جغرافية و طبيعية الخ. تشكل الجماعة القبلية التي تطورت بصورة تلقائية( أو إذا شئت القطيع- الروابط المشتركة للدم و اللغة والعادات الخ.) الشرط المسبق الأول لحيازة الشروط الموضوعية للحياة و للنشاط الذي يعيد إنتاجها و يعطيها تعبيرها المادي أو يموضعها (نشاط أفرادها كرعاة و صيادين و زراع الخ...). الأرض هي التي تعطي الجماعة موقعها و قاعدتها. علاقة البشر بالأرض الساذجة: فهم يعتبرون أنفسهم مالكيها المشتركين، كأعضاء في جماعة تنتج و تعيد إنتاج ذاتها بالعمل الحي. ولا يعتبر الفرد نفسه مالكا أو متملكا[3] إلا إذا كان عضوا في مثل هذه الجماعة بالمعنيين الحرفي و المجازي للعضوية). في الواقع يتم هنا التملك بواسطة العمل في ظل هذه الشروط المسبقة التي لا تأتي كنتاج للعمل، بل تبدو و كأنها شروطه الطبيعية أو الإلهية المسبقة.
حيث تبقى العلاقة الأساسية بالأرض هي هي يمكن لهذا الشكل أن يتحقق بطرق متنوعة:مثلا، كما هي الحال في معظم الأشكال الآسيوية حيث ينسجم هذا الشكل مع ظهور الوحدة الشاملة شمولا كليا و الواقعة فوق كل هذه الهيئات الصغيرة المشتركة[4] بمظهر المالك الأعلى أو الأوحد، بينما تكون الجماعات الفعلية متملكة بالوراثة فقط. وبما أن هذه الوحدة هي المالك الحقيقي بالإضافة إلى كونها الشرط الفعلي المسبق للملكية المشاعية، فمن الطبيعي جدا أن تظهر بمظهر الشيء المنفصل عن الجماعات الفعلية الجزئية المتعددة و بمظهر الشيء الأسمى منها. ويكون الفرد عندئذ مجردا من الملكية، أو تبدو الملكية( أي علاقة الفرد بالشروط الطبيعية للعمل و إعادة الإنتاج، الطبيعية اللاعضوية كما يجدها و يجعلها ملكا له، الشكل الموضوعي لذاتيته) وكأنها لا تأتي إلا بتوسط منحة إلى الفرد مصدرها الوحدة الشاملة عبر المشاعة المعينة. ويبدو الحاكم المستبد هنا كأب لكل هذه الجماعات الدنيا المتعددة فيحقق بذلك وحدتها المشتركة جميعا. و يستتبع هذا، إذن، أن يعود فائض الإنتاج (الذي يتحدد قانونيا، بالمناسبة، من خلال الحيازة الفعلية بواسطة العمل) إلى هذه الوحدة العليا. لذلك يبدو وكأن الاستبداد الشرقي يؤدي إلى غياب قانوني للملكية، لكن الواقع هنا هو أن أساسها هو الملكية القبلية أو المشاعية التي يخلقها في معظم الأحوال ذلك الجمع بين الصناعة اليدوية و الزراعة الموجودة داخل المشاعة الصغيرة مما يجعلها مكتفية بذاتها كليا و محتوية على كافة شروط الإنتاج و إنتاج الفائض.
و يعود جزء من فائض عملها إلى الجماعة العليا التي تظهر، في نهاية الأمر، بصفتها كشخص. و يتم تقديم فائض العمل هذا كإتاوة و كعمل مشترك من أجل مجد الوحدة العليا، مجد الحاكم المستبد من ناحية و مجد الآلهة- الكائن القبلي الذي يتخيلونه، من ناحية ثانية. والى الحد الذي يتحقق فيه هذا النوع من الملكية المشاعية بالعمل فعلا فانه يظهر في مظهريه:1) قد تحيا كل واحدة من المشاعات الصغيرة حياة نباتية جنبا إلى جنب و باستقلال عن بعضها حيث يعمل الفرد داخل كل منها بصورة مستقلة مع عائلته على الأرض المخصصة له. (ويكون هناك قدر معين من العمل من أجل الادخار المشترك- كتأمين إذا جاز القول- من ناحية، ومن أجل سد نفقات الجماعة بصفتها كجماعة، أي من أجل الحروب و العبادات الدينية الخ. من ناحية. و لا تبرز سيطرة الأسياد، بمعناها الأصلي تماما، إلا عند هذه النقطة. مثلا المشاعية السلافية و الرومانية(هنا نسبة إلى رومانيا و ليس إلى روما)، وهنا يأتي الانتقال إلى القنانة الخ...). 2) بإمكان الوحدة العليا أن تنطوي على تنظيم مشترك للعمل نفسه الذي يمكن أن يؤدي بدوره إلى إقامة نظام حقيقي كما حدث في المكسيك، و خاصة في البيرو و بين السلتيين القدماء و بعض قبائل الهند. بالإضافة إلى ذلك قد تنزع الصفة المشاعية داخل الهيئة القبلية نحو الظهور أما بشكل تتمثل فيه وحدتها من خلال رئيس تجمع القرابة القبلية، أو بشكل رابطة بين رؤساء العائلات. و ينتج عن ذلك أم صورة أكثر استبدادية أو أكتر ديمقراطية للجماعة. عندئذ تظهر الشروط المشاعية من أجل التملك الحقيقي عبر العمل(مثل أنظمة الري التي تتمتع بأهمية كبيرة عند الشعوب الآسيوية، ووسائل الاتصال الخ.) وكأنها من صنع الوحدة العليا. أي الحكومات الاستبدادية التي تحوم فوق الجماعات الدنيا. و لا تنشأ المدن بالمعنى الدقيق للعبارة إلى جانب القرى إلا حيت يكون الموقع مناسبا بصورة خاصة للتجارة الخارجية، أو حيث يبادل رئيس الدولة و مرازبته دخلهم(فائض الإنتاج) بالعمل فينفقونه كرصيد لشرائه.
* أما الشكل الثاني (من الملكية) فقد تجلى كالأول بمظاهر أساسية متنوعة محليا و تاريخيا الخ. وجاء كنتيجة لحياة تاريخية أكثر ديناميكية، و لمصائر القبائل الأصلية و التحولات التي طرأت عليها. هنا أيضا تشكل الجماعة الشرط المسبق الأول، ولكن بخلاف الحالة الأولى فإنها لا تقوم بدور الجوهر الذي يشكل الأفراد مجرد أعراض له، أو مجرد أجزاء طبيعية تلقائية منه. فالأساس هنا ليس الأرض، بل المدينة بوضعها الجاهز كقاعدة(مركز) لسكان الريف(أصحاب الأرض). تبرز المساحة المزروعة كمنطقة تابعة للمدينة و ليس كما في الحالة الأخرى حيث القرية هي مجرد ملحق بالأرض. ومهما تكن كبيرة العقبات التي تضعها الأرض في وجه الذين يحرثونها و يستحوزون عليها فعلا، ليس صعبا الارتباط بها باعتبارها الطبيعة اللاعضوية التي ينتمي إليها الفرد الحي، و باعتبارها ورشته ووسيلة عمله و غاية شغله ووسيلة بقاء هذه الذات. و لا يمكن أن تنشأ الصعوبات التي تواجهها الجماعة المنظمة إلا على يد جماعات أخرى تكون إما قد احتلت الأرض أو تقدم على مضايقة الجماعة المحتلة لها. ولذلك تشكل الحرب المهمة الشاملة العظمى و العمل المشترك الكبير لأنها مطلوبة إما من أجل الاستيلاء على الشروط الموضوعية للبقاء على قيد الحياة، أو من أجل حماية مثل هذا الاستيلاء و ديمومته. لذلك تكون الجماعة المؤلفة من تجمعات القرابة منظمة في البداية على أسس عسكرية كقوة حربية و عسكرية، و هذا التنظيم هو أحد شروط وجودها كمالك للأرض. إن تركيز الاستيطان في المدينة هو الأساس الذي يرتكز إليه هذا التنظيم الحربي. و تقود طبيعة التركيب القبلي إلى تمايز تجمعات القرابة إلى أعلى و أدنى. و يؤدي التمازج بين القبائل الغازية و القبائل المغلوبة الخ. إلى مزيد من التطور في هذا التمايز الاجتماعي. و هنا تكون الأرض المشاع- باعتبارها ملكية الدولة – منفصلة عن الملكية الخاصة. إن ملكية الفرد هنا، بخلاف الحالة الأولى، ليست ملكية مشاعية مباشرة حيث لا يملك الفرد بمعزل عن الجماعة، بل يشغل ما يملكه فقط. و تنشأ ظروف لا تتطلب عملا مشاعيا لإعطاء ملكية الفرد قيمتها(كما يحدث مثلا في أنظمة الري في الشرق) و يمكن أن يتحطم الطابع البدائي المحض للقبيلة بفعل حركة التاريخ أو الهجرة، إذ قد تنزح القبيلة عن مكان استقرارها الأصلي و تحتل أرضا غريبة مما يجعلها بالتالي تدخل في إطار شروط عمل جديدة جوهريا و يدعوها إلى تطوير طاقات الفرد إلى مدى أبعد. كلما تزايد تأثير هذه العوامل و كلما ظهر بالتالي الطابع المشاعي للقبيلة (كما لابد له أن يظهر) بمظهر الوحدة السلبية في مواجهة العالم الخارجي ازداد ظهور الشروط التي تفسح المجال أمام الفرد كي يصبح مالكا خاصا للأرض – لقطعة معينة منها بحيث تعود زراعتها الخاصة له و لعائلته.
الجماعة المشاعية – من حيث هي دولة- هي علاقة هؤلاء المالكين الخاصين المتساوين و الأحرار ببعضهم، اتحادهم إزاء العالم الخارجي من ناحية، وهي في الوقت ذاته مصدر وقايتهم. تقوم الجماعة على أساس كون أعضائها مالكين عقاريين يعملون، فلاحين و زراع صغار، وفي الوقت نفسه يستند استقلالهم إلى علاقتهم المتبادلة كأعضاء في الجماعة و إلى حمايتهم للأرض المشاع من أجل الحاجات المشتركة و المجد المشترك الخ...تبقى العضوية في الجماعة الشرط المسبق لاستملاك الأرض، و لا يكون الفرد مالكا خاصا إلا بصفته كعضو فيها. إن علاقته بملكيته الخاصة هي في وقت واحد علاقة بالأرض و علاقة بوجوده كعضو في الجماعة. واستمراره كعضو فيها هو صيانة لها و العكس بالعكس الخ. بما أن الجماعة المشاعية هنا هي من إنتاج التاريخ – ليس على صعيد الواقع فحسب، بل على صعيد وعي الإنسان أيضا – و ترجع بذلك إلى منشأ ما فإنها تعطينا الشرط المسبق لملكية الأرض – أي لعلاقة الذات العاملة بالشروط الطبيعية لعملها باعتبار الأخيرة تخصها. لكن لا تتحقق هذه الحيازة إلا بتوسط وجود الذات العاملة كعضو في الدولة، أي من خلال وجود الدولة – و بالتالي من خلال شرط مسبق يعتبر ذو مصدر الهي الخ[5]. هناك تركيز في المدينة، حيث تعتبر الأرض كمنطقة تابعة لها، لإنتاج زراعي على نطاق ضيق من أجل الاستهلاك المباشر، و لصناعات يدوية تأخذ إما شكل العمل المنزلي المساعد الذي تقوم به الزوجات و بناتهن ( الغزل و الحياكة)، أو شكل الوجود المستقل في عدد قليل من الحرف الخ. إن الشرط المسبق لبقاء الجماعة هو المحافظة على المساواة بين فلاحيها الأحرار المكتفين ذاتيا، و على عملهم الفردي كشرط لبقاء ملكيته و استمراريتها. ومع أن علاقتهم بشروط العمل الطبيعية هي علاقة المالكين، يجب تثبيت هذه الشروط باستمرار عن طريق العمل الشخصي، تثبيتها كشروط حقيقية لشخصية الفرد و كعوامل موضوعية لها، و لعمله الشخصي.
من ناحية أخرى فان نزول هذه الجماعة الصغيرة المحاربة يدفع بها إلى ما وراء هذه الحدود، الخ. ( روما، اليونان، اليهود، الخ.). يقول نيبور (في كتابه« التاريخ الروماني») «بعدما أكد العرافون لنوما[6] الموافقة الإلهية على اصطفائه لم يكن أول عمل قام به هذا الملك التقي عبادة الآلهة، بل قام بعمل إنساني. وزع ارض التي استولى عليها رومولوس في الحزب و تركها لمن يريد إشغالها: فأسس نوما طقوس عبادة تيرمينوس (آلهة الحجارة التي تعين الحدود). استند جميع المشرعون القدماء، وفي مقدمتهم موسى، في إنجاح تدابيرهم حول الفضيلة و العدالة و الأخلاق الحميدة إلى أساس و هو الملكية العقارية، أو على اقل تعديل إلى الحيازة الوراثية المضمونة للأرض بالنسبة لأكبر عدد ممكن من المواطنين»[7].
يجد الفرد نفسه في وضع معين لكسب قوته بحيث لا يجعل هدفه اقتناء الثروة بل الاكتفاء الذاتي و إعادة إنتاج ذاته كعضو في الجماعة، إعادة إنتاج ذاته كمالك لقطعة من الأرض، و بهذه الصفة كعضو في المشاعة[8]. إن استمرار المشاعة هو إعادة إنتاج كل أعضائها كفلاحين مكتفين ذاتيا، ويعود الفائض من أوقاتهم للمشاعة نفسها، أعمال الحرب الخ. وتتم حيازة الإنسان لعمله بتوسط ملكية شروط العمل- قطعة الأرض التي يضمنها وجود الجماعة و المضمون بدوره بواسطة فائض عمل أعضائها في شكل الخدمة العسكرية الخ. ولا يعيد عضو الجماعة إنتاج ذاته عبر التعاون في العمل المنتج للثروة، بل عبر التعاون في العمل من أجل المصالحة المشتركة(حقيقية كانت أم خيالية) بهدف المحافظة على الوحدة في وجه الضغوط الخارجية و الداخلية. تخص الملكية المواطن الروماني شكلا، فالمالك الخاص للأرض هو على ما هو عليه بصفته رومانيا فقط، إلا أن أي روماني هو أيضا مالك خاص للأرض.
شكل آخر من أشكال ملكية الأفراد العاملين هو الشكل الجرماني حيث يكونون أعضاء مكتفين ذاتيا في الجماعة في ظل شروط عملهم الطبيعية. في هذه الحالة لا يكون العضو في الجماعة مالكا مشتركا في الملكية المشاعة كما هي الحال في الشكل الشرقي بالتحديد. ( حيث لا توجد الملكية إلا كملكية مشاعية فقط، ولا يكون العضو بصفته كفرد- إلا متملكا لجزء معين منها إن كان ذلك بالوراثة أم لا. ذلك لان أي جزء من الملكية لا يخص أيا من أعضاء الجماعة بحد ذاته، بل من حيث هو عضو مباشر فيها، أي من حيث هو متحد مباشرة في الجماعة لا يكون الفرد سوى متملكا فقط. وبذلك ليس ثمة وجود إلا للملكية المشاعية و التملك الخاص فقط. وقد تكيف الظروف المحلية و التاريخية..طابع هذا التملك من حيث علاقته بالملكية المشاعية وذلك بطرق متنوعة استنادا إلى ما إذا كان المتملك الخاص يقوم بعمله معزولا ام إذا كانت طبيعة هذا العمل تتحدد بدورها على يد الجماعة نفسها أو على يد الوحدة العليا القائمة فوقها). كذلك تختلف الجماعة المشاعية الجرمانية عن الشكل الروماني واليوناني ( باختصار عن الشكل الكلاسيكي القديم) بأنها لا تشغل الأرض كجماعة، فالجماعة الرومانية تحتل الأرض كجماعة، كأرض رومانية. ويعود قسم منها إلى الجماعة بصفتها متميزة عن أعضائها كجماعة- إنها الأرض المشاع بأشكالها المختلفة. ويتم توزيع ما تبقى، فتكون كل قطعة ارض رومانية بحكم كونها ملكا خاصا لروماني ما، باعتبارها مملكته و حصته من المختبر[9]. و العكس صحيح إذ لا يكون الفرد رومانيا إلا إذا كان يمتلك هذا الحق في السيادة على قسم من الأرض الرومانية. (كان العالم القديم ينظر نظرة احتقار إلى الحرف الحضرية و التجارة، ونظرة احترام للزراعة وانعكست مكانة كل منهما في العصور الوسطى. كان حق استعمال الأرض المشاع بواسطة التملك مناطا بالأصل بالارستوقراطية الرومانية التي منحته فيما بعد لمواليها. أما تخصيص الملكية في الأرض المشاع فكان مناطا بالعوام فحسب. كانت كل التخصيصات لصالح العوام و تعويضا لقاء حصتهم في الأرض المشاع. كانت الملكية العقارية بالمعنى الدقيق للعبارة بيد العوام فقط في الأصل، باستثناء المنطقة المحيطة بسور المدينة (تم إلحاق هذه الملكية فيما بعد بالجماعات المشاعية الريفية). كان عوام الرومان في جوهرهم مجموعة من المزارعين وفقا لتعريف ملكيتهم كمواطنين. لقد أوصى القدماء بالإجماع بالزراعة باعتبارها النشاط الذي يناسب طبيعة الإنسان الحر و المدرسة التي يخرج منها المحاربون. تحافظ الأمة على أصلها القديم في الزراعة في حين انه يتغير في المدن، حيث يستقر الحرفيون و التجار الغرباء، عندما يهاجر إليها السكان الأصليون بدافع الأمل في الكسب. وحيث توجد العبودية يسعى العتقاء إلى إعالة أنفسهم من خلال هذه الإشغال( أي الحرف و التجارة) وكثيرا ما يراكم الواحد منهم ثروة لنفسه. نتيجة لذلك نجد إن مثل هذه الأشغال كانت محصورة على العموم في العالم القديم بالعتقاء، وهي بالتالي لا تلائم المواطنين. من هنا جاء الرأي القائل بان إعطاء الحرفيين حقوق المواطنين كاملة تنطوي على مجازفة(حرم اليونانيون الحرفيين من هذه الحقوق عموما) « ولم يكن مسموحا لأي روماني بان يعيش حياة الحرفي أو التاجر الصغير» . لم يكن عند القدماء أي تصور للكرامة و الكبرياء الناتجة عن الانتماء إلى حرفة كما كانت الحال بالنسبة لتاريخ الحواضر في العصور الوسطى. وحتى هناك انحطت الروح العسكرية، بعدما تغلبت الروابط الحرفية على السلالات الارستوقراطية، إلى إن انطفئت كليا في النهاية وفقدت الحواضر بذلك حريتها و الاحترام الخارجي الذي كانت تتمتع به.
تكونت قبائل الدول القديمة من طريقتين: إما القرابة أو الإقليم. كانت قبائل القرابة سابقة تاريخيا على القبائل الإقليمية، إلا أن الثانية حلت محل الأولى في كل مكان تقريبا. و تجد قبائل القرابة شكلها الأكثر تطرفا و صرامة في مؤسسة الطبقات المغلقة المنفصلة عن بعضها، المجردة من حق التزاوج فيما بينها و المتفاوتة في منزلتها، وحيث تقوم كل واحدة منها بوظيفة لا تتغير تبقى محصورة فيها وحدها. اما القبائل الإقليمية فيعود نشوؤها في الأصل إلى تقسيم المنطقة إلى نواحي و قرى. ففي منطقة اتيكا[10] و خلال عهد كلايثانيز[11] كان كل رجل يستقر في قرية يدون في السجل « كقروي» تابع لها و كعضو في قبيلة المنطقة التي تقع فيها تلك القرية، و يبقى أحفاده و أولاده على العموم منتمين إلى القرية ذاتها و القبيلة ذاتها بغض النظر عن مكان إقامتهم مما كان يعطي لهذه التقسيمات مظهر التحدر من الأجداد. لم تكن العشائر الرومانية مؤلفة بالاستناد إلى قرابة الدم، لذلك يشير شيشرون إلى المتحدرين من رجال أحرار عندما يذكر اسم العائلة. كانت الأماكن المقدسة مشتركة بين أفراد العشيرة الرومانية إلا إن هذا كان قد اختفى في عهد شيشرون. تمت المحافظة على تقليد الوراثة المشتركة من أفراد العشيرة الذين يموتون بدون وصية أو بدون أقارب لفترة أطول بكثير من غيره. في الأزمنة الغابرة كان أفراد العشيرة ملزمين بمساعدة كل من يحتاج إلى عون من بينهم في حمل الأعباء الاستثنائية التي يواجهها ( هذا حاصل كليا عند الجرمان و استمر لأطول فترة عند الديثمارشن)[12]. العشائر نوع من الرابطة[13]. توجد في العالم القديم تنظيمات أكثر شمولا من تجمعات القرابة. لذلك شكل آل كامبل الأرستقراطيون و مواليهم عشيرة بين الغيليين)[14]. و بما أن الأرستقراطي الروماني يمثل الجماعة إلى درجة اكبر من غيره يكون هو متملك الأرض المشاع و يستغلها بواسطة مواليه الخ. (و يستولي عليها تدريجيا أيضا).
لا تتركز الجماعة الجرمانية في المدينة – المدينة مركز الحياة الريفية و محل إقامة العمال الزراعيين و مركز الحبوب- إذ أن هذا التركيز يعطي الجماعة وجودا خارجيا مميزا عن وجود الأفراد من أعضائها. التاريخ الكلاسيكي القديم هو تاريخ المدن، ولكنها المدن القائمة على الزراعة و الملكية العقارية. التاريخ الآسيوي هو نوع من الوحدة غير المتمايزة بين المدينة و الريف ( و ينبغي النظر إلى المدينة الكبيرة بالمعنى الدقيق للعبارة على أنها ليست أكثر من معسكر للأمراء جرى تركيبه فوق البنية الاقتصادية الحقيقية). أما العصور الوسطى (الفترة الجرمانية) فتبدأ بالريف كمركز للتاريخ، ثم تخضع لمزيد من التطور على أساس تعارض المدينة مع الريف. التاريخ الحديث هو تحضر ( نسبة إلى الحواضر) الريف و ليس كما كان الحال في التاريخ القديم امتصاص المدينة في الريف[15].
[يتبع]
[1] - بالنسبة لتقسيمات النص و توزيع فقراته فقد أبقينا على المخطط الأصلي لترجمة جاك كوهن كما ورد في كتاب هوبزباوم (المترجم).
[2] - الإشارة هنا هي إلى الجماعة المشاعية المبنية على الملكية الصغيرة الحرة للأرض، و تلك المبنية على ملكية الأرض المشاعية المرتكزة إلى المشاعة الشرقية(المترجم).
[3] - يتميز المتملك عن المالك عند ماركس في كون ملكيته مؤقتة (المترجم).
[4] - أي الجماعات المشاعية الأسيوية (المترجم).
[5] - تلفت الترجمتان الانجليزيتان النظر هنا إلى أن هذا المقطع مشوش في الأصل الألماني و بالإمكان قراءته بأكثر من طريقة. و على ما يبدو لم يهتم ماركس دوما بذكر «الأفعال المساعدة» في النصوص التي لم يكن يعدها للنشر مما يجعل فهم بعض معانيه بوضوح و بدون إمكانية الوقوع في الالتباس بحكم المستحيل (المترجم).
[6] - نوما بومبيليوس، ثاني ملوك روما وفقا للأسطورة الشائعة حول اصل المدينة و كيفية نشوئها (المترجم).
[7] - « التاريخ الروماني»، الطبعة الثانية، ج1، ص245.
[8] - كتب ماركس هذه الجملة باللغة الإنجليزية في الأصل.
[9] - الأرض هي مختبر الإنسان الطبيعي كما جاء معنا (المترجم).
[10] - المنطقة المحيطة بمدينة أثينا في العصور القديمة (المترجم).
[11] - حكم في الربع الأول من القرن السادس قبل الميلاد ( المترجم).
[12] - منطقة في شلزويج-هولتشاين (ألمانيا) معروفة بالزراعة و تربية المواشي و المستنقعات. اشتهر أهلها بالعمل التعاوني فيما بينهم (المترجم).
[13] - ربما أراد ماركس من هذه الملاحظة السريعة جدا الإشارة إلى إمكانية عقد وجه من أوجه المقارنة بين التنظيم العشائري و الروابط الحرفية في العصور الوسطى (المترجم)
[14] - المقاطع الواردة داخل هذا القوس الطويل مقتطفة من كتاب نيبور(التاريخ الروماني)، مرجع مشار إليه سابقا.
[15] - هنا بدا ماركس دفترا جديدا في مخطوطاته تحت عنوان ( الدفتر الخامس تابع الفصل عن الرأسمال)، وهو مؤرخ في كانون الثاني (يناير) 1858 (بدأه في 22 كانون الثاني).
للاتصال بنا
:info{at}attawajohalkaidi.com
![]()